
أُعلن فجر اليوم الخميس 12 مارس/آذار 2026 في نواكشوط عن وفاة الناشط الحقوقي الموريتاني ببكر ولد مسعود، مؤسس ورئيس منظمة نجدة العبيد، بعد معاناة طويلة مع المرض، وذلك عقب مسيرة ممتدة في الدفاع عن حقوق الإنسان ومناهضة الاسترقاق وآثاره الاجتماعية في موريتانيا.
وقد. أقيمت صلاة الجنازة ضحى اليوم في جامع ابن عباس بالعاصمة نواكشوط.
ولد ببكر ولد مسعود سنة 1945 تقريباً قرب روصو، وتلقى تكويناً أهله لنيل شهادة في الهندسة المعمارية، قبل أن يكرس حياته للنشاط الحقوقي. أسس منظمة نجدة العبيد سنة 1995، وارتبط اسمه بالدفاع عن الحراطين وضحايا العبودية، وتعرض خلال مساره للاعتقال والمضايقة بسبب مواقفه. حاز تكريماً دولياً سنة 2009 من منظمة Anti-Slavery International، كما شمله التكريم الرسمي في موريتانيا سنة 2023.
ويُعد الراحل من أبرز الأسماء التي ارتبطت، على مدى عقود، بالنضال الحقوقي والمدني في موريتانيا، وبخاصة في ملف مكافحة العبودية والدفاع عن حقوق الحراطين والفئات الهشة. وقد ارتبط اسمه بمنظمة نجدة العبيد التي تأسست في 16 فبراير/شباط 1995، وكرست نشاطها لمساندة ضحايا الاسترقاق، والترافع عنهم أمام القضاء، والعمل على نقل القضية من دائرة الإنكار الاجتماعي إلى دائرة النقاش العام والضغط الحقوقي المنظم.
وبرز اسم ولد مسعود مبكراً في الحركات الاجتماعية المطالبة بإنصاف الحراطين، قبل أن يرسخ حضوره في الحقل الحقوقي من خلال تأسيس نجدة العبيد، وهي منظمة لعبت أدواراً بارزة في التوثيق والترافع والمرافقة القانونية، كما تبنت ملفات لضحايا الاسترقاق، وسعت إلى دعم المحررين اقتصادياً واجتماعياً عبر مبادرات ميدانية وتكوينية.
ولم تكن مسيرة الراحل مفروشة بالورود ؛ إذ تعرض خلال نشاطه الحقوقي لعدة مضايقات واعتقالات. وتُظهر وثائق منظمة العفو الدولية أن اسمه كان ضمن المدافعين عن حقوق الإنسان الذين تعرضوا للملاحقة أواخر التسعينيات على خلفية الحديث العلني عن واقع العبودية في البلاد. كما وثقت المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب اعتقاله سنة 2002، قبل الإفراج عنه لاحقاً، في سياق الضغوط التي كانت تطال النشطاء العاملين في هذا الملف الحساس.
وفي عام 2009، نالت منظمة SOS Esclaves / نجدة العبيد جائزة Anti-Slavery Award الدولية من منظمة Anti-Slavery International، اعترافاً بجهودها الممتدة في مكافحة العبودية في موريتانيا. وأشارت المنظمة المانحة حينها إلى أن ببكر ولد مسعود كان من أوائل من جاهروا بفضح هذه الظاهرة، وأنه تعرض للسجن أكثر من مرة بسبب نضاله ضدها.
كما ظل اسم الراحل حاضراً في النقاشات الوطنية المرتبطة بملف الحراطين، وبمطلب العدالة الاجتماعية، وبأولوية الانتقال من مجرد النصوص القانونية إلى التنفيذ الفعلي. وفي هذا السياق، جاء نضاله مواكباً لتحولات قانونية مهمة، من بينها تجريم الاسترقاق سنة 2007، ثم اعتماد قانون 2015 الذي شدد العقوبات واعتبر العبودية جريمة ضد الإنسانية، مع إنشاء محاكم مختصة. غير أن تقارير أممية وحقوقية أكدت مراراً أن التحدي الأكبر ظل في فعالية التطبيق والإنفاذ، لا في النص وحده.
وفي السنوات الأخيرة، حظي ولد مسعود بتكريمات محلية ودولية، من بينها إدراج اسمه ضمن الموشحين في ذكرى الاستقلال الموريتاني لسنة 2023، وهو ما عُدّ اعترافاً رسمياً بمساره الطويل في المجال الحقوقي. كما كرمت منظمة نجدة العبيد رئيسها في الذكرى الحادية والثلاثين لتأسيسها في فبراير/شباط 2026، ووصفت مسيرته بأنها جزء من ذاكرة الكرامة والحرية في البلاد.
وبوفاة ببكر ولد مسعود، تطوي موريتانيا صفحة أحد أبرز رموز العمل الحقوقي المدني، وأحد الوجوه التي ارتبط اسمها، محلياً ودولياً، بمقاومة العبودية والدفاع عن ضحاياها. ويترك الراحل وراءه إرثاً نضالياً ثقيلاً، لا يقاس فقط بالمواقف والشعارات، بل بما أسهم به من مراكمة وعي حقوقي، ومن تحويل قضية مسكوت عنها طويلاً إلى ملف حاضر في القضاء والإعلام والنقاش العمومي.
